مجمع البحوث الاسلامية
731
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وروحانيّته ، ونفس ألفاظه وحروفه ، وأسلوب ترتيله وتلاوته الّتي تلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبترتيبه الّذي رتّبه : آيات في سور ، وسور في مصحف ، ممّا لم يتيسّر لأيّ كتاب سماويّ ولا لأيّ نبيّ . وقد ظلّ مرجع كلّ خلاف ، وحكما في كلّ نزاع بين المسلمين ، على اختلاف فرقهم وأهوائهم ، والقول الفصل في كلّ مذهب ، وعند كلّ نحلة من مذاهبهم ونحلهم على كثرتها ، منذ وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليوم ، وإلى ما شاء اللّه لهذا الكون أن يدوم . ويكفي لتبيّن خطورة المعجزة الرّبّانيّة العظمى أن يذكر المرء ما كان من فتن وخلاف وشقاق وحروب وتنافس ، في سبيل الحكم والسّلطان منذ صدر الإسلام الأوّل ، وما كان من اجتراء أصحاب الأهواء في ذلك العهد وبعده على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والكذب عليه في وضع الأحاديث المتضمّنة تأييد فئة على فئة ، ورأي على رأي ، ودعوة على دعوة ، وما كان من وضع الأحاديث والرّوايات لصرف آيات القرآن إلى غير وجهها الحقّ ، وتأويلها بغير وجهها الحقّ بسبيل ذلك ، وما كان من استعلاء قوم على قوم وشيعة على شيعة استعلاء القوّة والسّلطان ، مع اشتداد العداء والتّجريح ، واشتداد تيّار الأحاديث المفتراة . وكان ممّن صار له السّلطان القويّ الواسع المديد فئات كانت تقيم دعوتها على صرف تلك الآيات إلى هواها ، وتأويلها بغير وجهها الحقّ ، والاجتراء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بسبيل ذلك ، وأن يذكر أنّ هذا كان في وقت لم يكن القرآن فيه مطبوعا ولا مصوّرا ، ولم يكن من المستحيل فيه أن يجرأ الّذين اجترأوا على رسول اللّه وأصحابه وكذبوا عليهم ، وصرفوا الآيات القرآنيّة إلى غير وجهها الحقّ - على كتاب اللّه تعالى - فيغيّروا ويبدّلوا ويزيدوا وينقصوا تبديلا جوهريّا سائغا على المسلمين مؤيّدا لأهوائهم ، وينشروا به مصاحف عديدة ، وبخاصّة في الآيات الّتي حاولوا صرفها عن وجهها الحقّ إلى تأييد أهوائهم ودعوتهم ، أو إضعافها لتكون أكثر مطابقة مع الوجوه الّتي أريد صرفها إليها سلبا وإيجابا ، ونفيا وإثباتا ، وفي وقت كانت الكتابة العربيّة سقيمة ، ولم يكن قد اخترع النّقط والشّكل ، وكان التّشابه بين الحروف كثيرا ، واحتمال اللّبس قويّا . ولقد حفظت ببركة هذه المعجزة الرّبّانيّة اللّغة العربيّة - الّتي نزل بها - قويّة مشرقة بكلّ ما وصلت إليه من سعة وبلاغة ودقّة ونفوذ وعمق ونصاعة وضوابط ، لتظلّ لغة الأمّة العربيّة الفصحى في كلّ صقع وواد ، وفي كلّ دور وزمان ، وهو ما لم يتيسّر للغة أمّة من أمم الأرض ، ولتكون إلى ذلك لغة عبادة اللّه لجميع الأمم الإسلاميّة المنتشرة في أنحاء الأرض ، خلال ثلاثة عشر قرنا ، ثمّ خلال القرون الآتية ، بل ولتترشّح لتكون لغة العالم الإسلامىّ بل لغة الإنسانيّة ، حينما يأذن اللّه بتحقيق وعده وإظهار الإسلام على الدّين كلّه ، كما جاء في آيات عديدة ، منها آية سورة الفتح : 28 ، هذه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . وحفظت ببركتها الأمّة العربيّة قويّة الحيويّة صامدة أمام ما وقع عليها من نكبات ، وتسلّل فيها من عناصر